أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين طبيب البشر أجمعين يا رب محمد وآل محمد صلِ على محمد وال محمد يا مُعلم موسى علّمنا ويا مُفهم سليمان فهمنا ويا مؤتي لقمان الحكمة وفصل الخطاب آتنا الحكمة وفصل الخطاب برحمتك يا أرحم الراحمين عن أمير المؤمنين سلام الله عليه أنّه قال :
»العقل ولادة، والعلم إفادة، ومجالسة العلماء زيادة « وقال رسول الله صل الله عليه واله وسلم :" نوم مع علم خير من صلاة مع جهل "
فالعالم يعرف الحلال والحرام والمستحب وغير ذلك بينما الجاهل لا يفرق بينها و العالِم إذا نام استراح ، واستراحته هذه تمثّل مقدّمة للخدمة والهداية وإرشاد الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الجحيم إلى الجنّة. فنوم العالِم حسنة إذاً.
وعن الإمام الصادق عليه السّلام :
ليس العلم بكثرة التعلم , إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه , فإذا أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية , واطلب العلم باستعماله واستفهم الله يفهمك . فحينما نستعمل هذه العلم علينا أن نرى الله سبحانه قبله وبعده ومعه وفيه كما نقل عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):
" ما عملت من عمل الا ورأيت الله فيه وبعده وقبله " ولكي ندرك أهمّية العلم وكيف أنّ الـ ((نوم مع علم خير من صلاة مع جهل))، أنقل لكم قصة عن الشيخ عبد الكريم الحائري : وهذه القصة وأمثالها تنفعنا نحن ، باعتبارنا في طريق العلم ، عسى أن يكون نبراساً يضيء لنا الطريق فلا نكون من الجاهلين المقصّرين . ينقل بأنه نزل أحد أصدقاء الشيخ (المرحوم عبد الكريم الحائري) ضيفاً عليه في أحد الأيام، يقول الراوي: جاء الشيخ بما كان عنده من طعام عادي وبسيط في بيته، وأخذ الضيف يأكل والشيخ عبد الكريم كذلك . ولكن فجأة سحب الشيخ يده للحظات وتأمل، ثم مدّ يده ثانية إلى الطعام واقتطع قطعة من اللحم، وقام ودخل إلى الدار ثم عاد بعد ذلك واعتذر للضيف قائلاً: لقد انتبهت فجأة أنّ كلّ اللحم الذي اشتريته اليوم قد طهته زوجتي ووضعته أمامنا. (تعلمون أنه لم يكن في تلك الأيام ثلاّجات أو مجمدات ليكون عندهم طعام آخر في البيت). يقول الشيخ: والزوجة واجبة النفقة عليَّ، فقد أحسست على الفور أنّي قد وقعت في مشكلة، فقلت: أن أعتذر للضيف خير لي من أن أقع في إشكال شرعي ؛ كان الخوف الذي تملّكني من الناحية الشرعية ، هو أن أترك زوجتي هكذا من دون طعام ، لأنّ هذا العمل خلاف للمروءة ، بل لعله ترك واجب . قلت مع نفسي: صحيح أنها هي التي قامت بذلك العمل بنفسها وقدّمت لنا كلّ الطعام ، ولكن ينبغي لي أن أكون منصفاً. والآن انظروا إلى ورع الشيخ وكيف أنقذه علمه! فلو كان غيره لقال : إنّ هذا تصرّف مشين . فمن المخجل والمخزي أن يرفع أحدنا الطعام من أمام ضيفه ليذهب به إلى أهله . فقدم الواجب على المستحب وفي زمننا هذه يقدم المستحب على الواجب فتراها تذهب للزيارة وللعمرة ولكن هي غير مراعية للحجاب بتاتاً فتظهر زينتها ومفاتنها فليس لديها مراعاة للواجبات وتراه قد يصلي صلاة الليل وهي المستحبة ويصلي صلاة الفجر في خارج الوقت فهو غير مراعي للواجبات فهذه يعتبر من الجهل أعاذنا الله سبحانه منه
فلا بد أن نسعى إلى العلم والعمل فلا نعلم أيهما يكون المنجي يوم لا ينفع مالاً ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم فينقل عن العلامة المجلسي من أكابر العلماء الأفاضل ، ومن أشهر مؤلفاته كتاب (بحار الأنوار ) وفيه جمع معظم الأحاديث المروية من طريق أهل البيت عليهم السلام ، وهو كإسمه بحار من العلم والمعرفة ويقع في نحو 110 مجلدات . قضى في تأليفه قرابة أربعين سنة . ولما انتهى من تأليفه أخذه شيء من الزهو والعُجب فكان كلما حضر مجلا ذكر أنه مؤلف ) البحار ( وأنه عمل عملا لم يقم به أحد من قبله . وفي يوم من الايام نام المجلسي فرأى حُلما عجيبا ؛ رأى أن القيامة قامت ، وحشر الله الناس جميعا ليوم الحساب وعُرضوا على ربك صفاً، وجاء دوره لتوزن حسناته وسيئاته . ووضع الميزان ، وجاء الملائكة فوضعوا سيئاته في الكفة اليُسرى فهبطت إلى الأسفل . ثم جاؤوا بحسناته ومازالوا يضعونها في الكفة اليُمنى فلم تعادل السيئات ، ثم وضعوا كتاب البحار بطوله وعرضه فلم يحس به الميزان إلا بمقدار ريشة طائر . فكانت نتيجة أعماله أن يؤخذ إلى النار ؛ فجاء زبانية جهنم السود الغلاظ الشداد ، فكبلوه بالسلاسل والأصفاد ووضعوا في عنقه مقامع الحديد واقتادوه من ناصيته اقتياد الأسير الذليل إلى شفير جهنم . وقبل أن يلقوه نادى مناد من عند الله أن أرجعوا المجلسي فقد نسيتم حسنة واحدة من حسناته . فأرجعوه وأعادوا حسابه بالميزان ، فما زالت سيئاته طاغية على حسناته ، ثم جاء مَلَك صغير وهو يطير ،بحسنة صغيرة بحجم العدسة - وهي الحسنة التي نسوها - فوضعها في كفة الحسنات ، فإذا بالكفة تهوي إلى الأرض هويّاً شديدا . فاستبشر المجلسي وطأطأ فرحا إذ إنه صار من أهل الجنة ، وإذا بغلمان الجنة وقد أتوه بالثياب الخضر المزركشة بالذهب والفضة ، فألبسوه إياها ، وحملوه معزّزاً مكرّماً إلى الجنة . ولما وصل باب الجنة توقف عن الدخول ونادى ربه قائلا : إلهي ليس استغرابي من دخول الجنة بأعظم من استغرابي من هذه الحسنة الصغيرة التي لا أعرفها والتي دخلت بسببها الجنة . فأطلب منك بعزّتك وجلالك أن تخبرني عنها . فبعث الله له صوتا يقول : يا مجلسي أتذكر يوم كنت تزور أسرة من اليتامى والمساكين ؟ فأعطيتهم شيئا من المال والفواكه ، وحملت ابنهم الصغير تعطف عليه ، وتعوض له شيئا مما حُرِم من العطف والحنان ، وأعطيته تفاحة ، فأخذ يأكلها بشهية ، فسقطت التفاحة من يده ، فشرع يبكي . أتذكر كيف أخذت التفاحة من الأرض وغسلتها ثم ناولته إياها ومسحت دموعه عن خدّيه ، فأخذ يضحك ويبتسم ؟ قال المجلسي : نعم . قال تعالى : فذلك العمل هو الحسنة الصغيرة التي أدخلتك الجنة . قال المجلسي : ولكن ماقيمة هذه الحسنة أمام كتاب ) البحار ( الذي قضيت في تأليفه مدة أربعين سنة . قال ربّ العزّة : إن هذه الحسنة الصغيرة لهي عند الله أعظم بكثير من كتاب البحار لأنك حين فعلتها لم تكن تطلب إلا وجه الله تعالى أما كتاب البحار فهو رغم ضخامته وعظمته لا يعادل عند الله وزن ريشة ، لأنك بعد أن ألفته بدأت تزدهي به وتذكر فضلك في تأليفه في كل مجلس ، فلم تكن فيه متقربا إلى الله تعالى. وإن العمل إذا كان خالصا لله تعالى يرتفع إلى أعلى الدرجات ، أما إذا كان يُعمل رياء أمام الناس طلباً للشهرة أو الرفعة والجاه فذلك يُذهب من قيمته ولو كان بحجم البحار . ثم انتبه العلامة المجلسي من نومه مذعورا فعاهد الله تعالى من تلك اللحظة أن لا يذكر كتابه ) البحار ( وفضله في تأليفه ، بل يتقرب به إلى الله تعالى خالصاً لوجهه الكريم فالعلامة أفرح قلب الطفل ودخل الجنة بسبب إدخاله السرور لهذه الطفل فكيف إذا أفرحنا نحن قلوبنا إمامنا صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه وقلب رسول الله صلِ الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام فنحن بعين مولانا صاحب العصر والزمان "بنفسي انت من مغيب لم يخل منا بنفسي انت من نازح ما نزح عنا " فلندخل على قلب إمامنا عليه السلام السرور بتعلمنا العلم النافع الذي ينتفع به الناس جميعهم فعن الإمام علي (عليه السلام): من جاءته منيته وهو يطلب العلم فبينه وبين الأنبياء درجة . (( ولابد أن نلتزم بأمور بكوننا نتلقى علم أهل البيت عليهم )) كما يقول الشهيد الشيخ زين الدين العاملي في كتابه "منية المريد في آداب المفيد والمستفيد" وهو كتاب حري بطالب العلم الديني أن يطالعه ، لأنّه يؤثر كثيراً في تغيير سلوكه في الحياة إلى درجة كبيرة. يقول (رضوان الله عليه): (واعلم أنّ المتلبس بالعلم) أي طالب العلم الديني (منظور إليه) أي ينظر إليه الناس (ومتأسى فعله وقوله وهيأته) أي يُتخذ أسوة وقدوة (فإذا حسن سمعته وصلحت أحواله وتواضعت نفسه وأخلص لله تعالى عمله انتقلت أوصافه إلى غيره مِن الرعية وفشا الخير فيهم وانتظمت أحوالهم. ومتى لم يكن كذلك) أي لم يلتزم بالفضائل بل اكتفى بالواجبات والمحرمات (كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها) أي أنّ الناس لا يلتزمون حينئذٍ حتى بالواجبات والمحرمات، (فكان مع فساد نفسه منشأً لفساد النوع وخلله) خلافاً لعامة الناس. (وناهيك بذلك ذنباً وطرداً عن الحق وبعداً). ثم يقول بعد ذلك: (إنّ عامة الناس أبداً) أي دائماً (دون المتلبس بالعلم بمرتبة) أي أنّهم أدنى منه بدرجة. (فإذا كان - طالب العلم - ورعاً تقياً صالحاً) أي ملتزماً بالفضائل فوق التزامه بالواجبات والمحرمات (تلبست العامة بالمباحات) أي لا ترتكب المحرمات ولا تترك الواجبات (وإذا اشتغل بالمباح) أي اكتفى بفعل الواجبات والإنتهاء عن المحرمات (تلبست العامة بالشبهات) فهي كما قلناه دونه بدرجة، وهكذا: (فإن دخل في الشبهات تعلق العامي بالحرام، فإن تناول الحرام كفَر العامي(. أي لا ينبغي لطالب العلم أن يفعل كل مكروه بدعوى أنْ كل مكروه جائز ولا يترك المستحبات بدعوى أنّ كل مستحب جائز الترك؛ لأنّ ذلك سيكون سبباً في تساهل العامي حتى في الواجبات والمحرمات. أما إذا عمل طالب العلم بالفضائل أي ترك المكروهات وأتى بالمستحبات ولم يتوقف عند مستوى التقيّد بالواجبات والمحرمات فهذا يعني أن العامة سيكونوا عدولاً أي ملتزمين بالحدود الشرعية بأجمعها. لا ينبغي لطالب العلم الديني أن يقول إنّ حسن الخُلق جيد ولكنه ليس بواجب فلماذا ألتزم به ؟ أو أنّ سوء الخُلق في حدود منه مكروه، فلماذا ألتزم بتركه ؟ والصلاة في أول الوقت فضيلة ولكنه ليس بواجب فلا يخلّ بعدالتي لو تسامحتُ به ! وهكذا... ثم يسوّغ ذلك لنفسه بالقول : "إنّ أتقى الناس مَن عمل بالواجبات ". فإنّه لو كان وضع العالِم أو الطالب الديني كذلك فإنّ الوسط الذي يعيش فيه والأشخاص الذين يشهدون سيرته لا يتوقفون عند ذلك الحد، لأنهم دونه درجة ، وليست تلك الدرجة هنا إلاّ التورط بالمعاصي وترك الواجبات ؛ لأنّ العامي إذا رأى قدوته يصلي صلاة الصبح قبيل طلوع الشمس مثلاً فسيستهين بالواجب نفسه ، وإذا رآه يفعل مكروهاً فإنه سيتهاون بالحرام ! ولسان حاله يقول: هذا رجل عالِم أو سيّد فاضل وهو يفعل كذا أو يترك كذا، فماذا تنتظر مني ؛ أنا الإنسان العادي ؟!. أما لو تورط المتلبس بلباس أهل العلم بترك الواجب أو فعل المحرم - والعياذ بالله - كما لو قتل إنساناً ظلماً أو اغتاب أو اتّهم مؤمناً فإن عامة الناس سيكفرون حينئذ - على حد تعبير الشيخ الشهيد (رحمه الله)-. إذن على طالب العلم الديني أن يولي الالتزام بالفضائل والأخلاق عناية فائقة بل يجعلها همه الأكبر ويصبّ اهتمامه وتركيزه عليها حتى يتفوق فيها، لأنّه كلما ارتفع مستواه فيها ارتفع مستوى إلتزام الناس بها بالتبع . تم الكلام رفع المقام بالصلاة على محمد وآل محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق